القرطبي

99

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

" الله يستهزئ بهم " [ البقرة : 15 ] ( 1 ) ، " وهو خادعهم " [ النساء : 142 ] ( 2 ) . وقد تقدم في البقرة . وأصل المكر في اللغة الاحتيال والخداع . والمكر : خدالة ( 3 ) الساق . وامرأة ممكورة الساقين . والمكر : ضرب من الثياب . ويقال : بل هو المغرة ، حكاه ابن فارس . وقيل : " مكر الله " إلقاء شبه عيسى على غيره ورفع عيسى إليه ، وذلك أن اليهود لما اجتمعوا على قتل عيسى دخل البيت هاربا منهم فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء ، فقال ملكهم لرجل منهم خبيث يقال له يهوذا : ادخل عليه فاقتله ، فدخل الخوخة فلم يجد هناك عيسى وألقى الله عليه شبه عيسى ، فلما خرج رأوه على شبه عيسى فأخذوه وقتلوه وصلبوه . ثم قالوا : وجهه يشبه وجه عيسى ، وبدنه يشبه بدن صاحبنا ، فإن كان هذا صاحبنا فأين عيسى ! وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ! فوقع بينهم قتال فقتل بعضهم بعضا ، فذلك قوله تعالى : " ومكروا ومكر الله " . وقيل غير هذا على ما يأتي . ( والله خير الماكرين ) اسم فاعل من مكر يمكر مكرا . وقد عده بعض العلماء في أسماء الله تعالى فيقول إذا دعا به : يا خير الماكرين أمكر لي . وكان عليه السلام يقول في دعائه : ( اللهم أمكر لي ولا تمكر علي ) . وقد ذكرناه في الكتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى . والله أعلم . قوله تعالى : إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيمة ثم إلى مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون ( 55 ) قوله تعالى ( إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ) العامل في " إذ " مكروا ، أو فعل مضمر . وقال جماعة من أهل المعاني منهم الضحاك والفراء في قوله تعالى : " إني متوفيك ورافعك إلي " على التقديم والتأخير ، لان الواو لا توجب الرتبة . والمعنى : إني رافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ومتوفيك بعد أن تنزل من السماء ، كقوله : " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى " [ طه : 129 ] ( 4 ) ، والتقدير ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما . قال الشاعر :

--> ( 1 ) راجع ج 1 ص 201 . ( 2 ) راجع ج 5 ص 421 . ( 3 ) في اللسان : حسن خدالة الساقين أي امتلاؤها واستدارتها . ( 4 ) راجع ج 11 ص 260 .